التوأم الخفي للكاتبة عبير آل عبدالله

التوأم الخفي
وهل ينطفئ الوهج؟
لا شيء ينطفئ تمامًا…
ربما تبهت القلوب يومًا،
ويخفت الشغف الذي كنّا نظنه لا يخون،
وربما تتبدّد أحلامٌ
أمسكنا بها كمن يمسك آخر خيطٍ يلمع في عتمته.

لكن الحياة — كعادتها —
تأتي بوهجٍ آخر،
وتترك في طريقنا أشخاصًا
لا يشاركوننا الدرب…
بل يشاركوننا الفكرة.

نسير بمحاذاة بعضنا،
لا تشابه في الطرق…
لكن تشابه في البصيرة.
هو يخطّط، وأنا أنفّذ،
هو يرسم، وأنا أمهّد،
هو يحذّر، وأنا أحمي،
فنبدو نصفين يلتقيان في المعنى،
ولو افترقت خطانا على الأرض.

وما أروع أن أكون في حياة أحدهم
ذلك الاختلاف الذي لا يتكرّر،
الحضور الذي لا يشبهه أحد،
والمكان الذي لا يشغله غيري.
أنا لست مرورًا في أيامه،
بل تفصيلٌ نادر،
جزءٌ لا يُعاد،
وبصمة لا تُستبدل.

وما بيننا…
ليس حبًا ولا عشقًا،
بل شيءٌ أعمق من كل تسمية؛
تخاطر أرواحٍ يحدث
حين تلتقي ذاكرةٌ بذاكرة،
وجرحٌ بجرح.

أكتب فأكتبه…
ويكتب فيكتبني،
كأن الحرف بيننا يعرف طريقه
قبل أن نلمسه،
وكأن الكلمات تأتي إلينا
من الذاكرة نفسها.
هو يكتب فأرى نفسي في سطوره،
وأكتب فيجد صوته يتكلّم بيدي.

هو يشبه جبران… بلا تعلق،
وأنا أشبه ميّ… بلا انغماس،
نقف في مساحةٍ محايدة
أصفى من الصداقة،
وأوسع من أي ارتباط يُقال.

ولأن طفولتنا — رغم المسافة — تشابهت،
كانت بساتين جدّي تشبه بساتينه،
والظل الذي احتميتُ به
هو ذاته ظلّ شجرةٍ أخرى
احتمى بها في مكانٍ بعيد.
النهر الذي ركضتُ بمحاذاته
كان يجري بمحاذاته أيضًا؛
طفولتان تركضان
ولا تعلمان أنّهما تركضان معًا.

وعندما كبرنا…
لم يتوقّف التشابه.
فنجان قهوتي يشبه فنجانه،
نافذتي تشبه نافذته،
وحتى وحدتي تشبه وحدته،
كأن الأشياء من حولنا
تعرف بعضها
قبل أن نعرف نحن.

وكلماتنا…
تتشابه كأنها خرجت من جرحٍ واحد؛
أكتب فيراه مرآته،
ويكتب فأراه أنا،
وتلتقي الجملة في منتصف الطريق
كأنها مكتوبة بروحين
ويدٍ واحدة.

ورغم الغربة،
ورغم المسافة التي نعيشها،
يبقى هذا التشابه
رباطًا خفيًا
يحرس الوهج الذي لا ينطفئ.

وما بيننا…
ليس علاقة،
ولا وعدًا،
ولا اعترافًا مؤجّلًا،
إنه شيء يحدث
حين تلتقي روحان متوازيتان في الوجع،
تعرف كلٌّ منهما الأخرى
من التجربة
لا من القرب.

فحين يكتب عن زمن السلاح،
عن رائحة البارود،
عن الأرض التي تهتزّ تحت الأرجل،
عن الركض بين صدى الرصاص
وانكسار النوافذ،
وعن التفجيرات التي باغتت المدن
وأخذت معها ملامح الطفولة…
أرتجف.
لا لأنني أتخيّل،
بل لأنني عشتُ المشهد ذاته:
كنت أسمع الليل يرتجف،
وترتفع في الشوارع أصوات
أقرب إلى صراخ الأرض نفسها،
وكان الخوف لا يمشي وحده،
بل يمشي معنا…
يجلس قربنا…
وينام في أحضان بيوتنا.

كم مررتُ بجدرانٍ
لم أعرف هل كانت تحميني
أم تنتظر أن تسقط عليّ…
وكم أمسكتُ روحي بيدي
كي لا تتبعثر مع الشظايا.

كنت أركض لا لأهرب فقط،
بل لأقنع نفسي أن الحياة
ما زالت تقف في مكانٍ ما
على بُعد خطواتٍ من النار.

أعرف صمت الشارع
الذي يسبق الانفجار،
وأعرف الهواء الثقيل
الذي يهبط على صدري
كأنه آخر نفسٍ في العالم.

وأعرف أيضًا
أن النجاة ليست بطولة،
بل صدفة،
وأن أجسادًا كثيرة
لم يمنحها القدر
اللحظة التي منحني إياها.

وحين يسرد هو ما عاشه،
كمن يكشف جرحًا قديمًا،
أخجل أن أخبره
أن ما يحكيه
يسكنني أنا أيضًا.
أخجل…
ليس لأنني ضعيفة،
بل لأنّ المجتمع لا يرى الأنثى
في قلب المعركة،
ولا يتخيّلها تقطع الدخان
وتعرف خوفَ الشوارع المحاصرة بالنار.
لكن الظروف…
لم تمنحني رفاهية الاختيار.

وكلما كتب عن تلك السنوات،
تحرّكت ذاكرتي على نبض الحرف،
كأن الكلمات ليست كلماته وحده،
بل كأنها تخاطب
ما تبقّى مني.

هو توأم روحي في الفكر،
وامتداد روحي في تفاصيل الحياة،
لا لأن بيننا حكاية،
بل لأن بيننا توازياً خفيًا
يحدث مرة واحدة في العمر.

وما بيننا…
ليس حبًا
ولا تعلقًا،
بل تجاوب ألم،
وتخاطر أرواحٍ
تتعرّف إلى بعضها
من الوجع ذاته
ولو مرّ عليهما
من جهتين مختلفتين
من العالم.

بقلمي عبير ال عبد الله 🇮🇶

تعليقات