حين احترق الورد للكاتبة د.سناء ابراهيم

قصة
حين احترق الورد 

كان الإمام يرفع يديه نحو السماء، يستجدي الغيث،
بينما كنت أراها تسكنني كنسمةٍ بين الضلوع.
كانت صلاتي مختلفة، لا تُقام على الأرض بل على رمادها.
صوته يتلو آياتٍ عن الرحمة، وقلبي يتلو وجعًا عن الخيانة.

لم أدرِ كيف زارتني تلك الليلة.
كانت تسير بخفة الضوء، تمسُّ كتفي، تبتسم، ثم تذوب في الهواء.
منذ رحيلها والنار لم تخمد في صدري،
وكل مطرٍ يهطل كأنه توبةٌ متأخرة على لهيبٍ لا يُطفأ.

قالوا إن روحها صعدت لتتطهّر،
لكنني أعلم أن النار لم تكن من السماء،
بل من قلوبٍ ضيّقةٍ لم تحتمل امرأةً تعرف أن الحب عبادة.

كانت سمراء كالأرض بعد المطر،
تمشي بخفةٍ يعرفها التراب،
وتضحك كمن يؤمن أن الجمال لا يُذنب.
كانوا يراقبونها بعيونٍ تشتهي وتحاكم في آنٍ واحد،
وكلما مرّت أمامهم خافوا من انعكاسها فيهم.

رجل الدين وعدها بزواجٍ يُخفيه الليل وسمّاه طهرًا،
والمرابي عرض عليها القرض بثمنٍ من جسدها،
والجزار قال إن قلبه مفتوحٌ كالمسلخ.
كلهم تكلّموا باسم الفضيلة، وكلهم كانوا ينهشونها باسمها.

وحين أعلنوا الحكم،
لم يكن صوتهم من فمٍ واحد،
بل من أفواهٍ تلبس الطهر قناعًا.
اجتمعت النساء أولاً، ورفعن أصواتهن باللعن.
خفن أن تسري العدوى إلى بناتهن،
أو ربما خفن من مرآةٍ تكشف وجوههن الحقيقية.
قالوا: سنُسكت الورد كي لا تتبع الرائحة الفراشات.

كانت واقفةً بينهم، تبتسم، لا خوف في ملامحها.
وحين أُسدل الستار على صوتها،
اهتزّ الهواء، وانكسر جدار الجامع،
وانطفأ قنديله الوحيد.

ومنذ تلك اللحظة،
لم أعد أفرّق بين المطر والدموع،
ولا بين الصلاة والندم.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

امرأة العزيز للشاعر حميد تلامتي

حين ودعنا الربوع للكاتب سعدالله بركات

أبيات في حب النبي للشاعر القيسي حسام