طفلة تسكنني للأديبة د.فريدة نصر
حين أحمي طفلةً تسكنني
في داخل كلّ واحدٍ منّا منطقة صغيرة، لا يراها أحد، لكنها الأكثر صدقًا… هناك تختبئ الطفلة التي ضحكت يومًا بلا خوف، وبكت بلا تردّد، وركضت خلف الأشياء التي تحبّها كأن العالم خُلق لها. وكلما كبُرنا، صار صعبًا أن نسمع صوتها وسط ضجيج المسؤوليات وثقل الواقع… لكنّ البعض، الذين يعرفون قيمة أرواحهم، يحاربون لأجل أن تبقى تلك الطفلة حيّة، مشرقة، نابضة.
منذ البداية كنتُ أقاوم شيئًا واحدًا فقط…
كنت أقاوم أن لا تموت روح الطفلة التي تسكنني.
كنت أشعر دائمًا أنّ سعادتي الحقيقية معلّقة بها؛ بضحكتها التي تُشبه المطر، وبعفويتها التي لا تطلب إذنًا لتفرح، وبقلبها الذي لا يعرف الحسابات ولا يحمل غصّة أطول من دقائق.
تلك الطفلة هي أنا كما خُلِقت… قبل الخيبات، وقبل الدروس الثقيلة، وقبل أن يتعلّم القلب أن يخفي شعوره كي يحمي نفسه.
كبرتُ… لكنني لم أسمح لنفسي أن أكبر بطريقة تُطفئ نورها.
كنتُ أحتضنها كلّما قسوت على نفسي، وأذكّرني بأن الحياة ليست سباقًا، وأن التعب لا يجعلني أقلّ قيمة، وأنّ من حقي أن أرتاح، وأن أضحك، وأن أحزن أيضًا دون خجل.
كنتُ أقاوم العالم كلّه كي لا أفقدها، لأنني أعرف… أنني إن فقدتها، سأفقد سبب خفّتي، سبب إيماني بالأمل، سبب عطري الداخلي الذي يجعلني أعيش رغم كل شيء.
واليوم… أعرف تمامًا أن الحفاظ على تلك الطفلة ليس ضعفًا، بل هو أعظم قوّة امتلكتها في الحياة .
أعرف أنني كلّما احتفظتُ بها، بقيتُ قادرة على الحلم، وعلى الحب، وعلى البدء من جديد دون أن يستنزفني الماضي.
أعرف أنني، ما دمتُ أسمح لها بأن تتنفّس داخلي… سأظلّ أنا، بكلّ ما فيَّ من نقاءٍ وحياة.
وما أجمل أن يكبر الإنسان… دون أن تنطفئ طفلتُه.
بقلمي رضا الرحمن غايتي فريده
تعليقات
إرسال تعليق