الهرم الوهمي للكاتبة د.عقاد ميلودة

الهرم الوهمي

حذَّر النبيُّ صلى الله عليه وسلم من صفاتٍ أصبحت – مع الأسف – نرى لزومَ التعايش معها: فلا مَن يَظهر متديِّنًا يُعطِيك بطاقةَ ائتمانٍ على صلاحه، ولا السِّنُّ وحدَها ترفع صاحبَها إلى النضج، ولا كلُّ كلمةٍ ميثاقٌ تزكي قائلَها إنسانًا صادقًا .

سنتطرّق إلى موضوعٍ تندرج أهميّتُه ضمن الأسباب الداعية إلى حَقن  العداوة والبغضاء بين الناس، وإزالةِ سور عدم الفهم الذي يُشيِّده السلوك العدوانيّ بما يخلِّفه من نتائجَ لا تُحمَدُ عُقبَاها. نتساءل عن مَدَى ردود أفعال المتضرِّر مِن سلوكٍ جافّ، بأفعالٍ تمتحن إنسانيّتَه بحساسيّةٍ مُفرِطة قد تُؤثِّر في حالته النَّفسيّة والصِّحيّة. هي تجاربُ الكثيرين عند سقوط“هرمٍ وهميٍّ” كانوا يظنّونه راسخًا، فإذا به وَرَمٌ خبيثٌ يجب استئصالُه 

إنّه العبث بمشاعر الآخرين، باختلاف العلاقات التي تربطهم. فكيف يمكن تقبُّل فعلٍ يقع على صاحبه كصعقةٍ كهربائيّة، لا يشبه الخسائر التي نستعدّ لها ونتوقّعها، فتخفُّ وطأتُها؟ ما يعقِّد الفهمَ هو حين تكون العلاقة بريئةً، مبنيّةً على الوضوح، ثمّ يداهمها فجأةً ظلامُ فقدان الثقة؛ انسحابٌ يهزُّ الموقف، فتنهار تلك الصورة، ويُمزَّق ثوبُها، لتتكشَّفَ حقيقةُ الخذلان. إنّها موجِعةٌ لصاحبها، تدفعهُ إلى نفقٍ مسدود، وتُثير إشكالاتٍ خطيرة تنعكس على العلاقات بين الناس، فيصل دخانُها إلى تلوُّثِ ترابط الجماعات. إنّه كالسُّوس الذي يأكل لحمَ المودّةِ والرّحمةِ بين الناس

 يتلقّى المرءُ خيبةَ الأمل ممّن وثِقَ بهم، ليجدَ نفسَه في صدمة. فإن كان في حصانةِ قربِه من الله تعالى، داوى جراحَه بيده، وتحوّلت تلك الفترة إلى تحوُّلٍ محمود، وسببٍ لازدهاره، فلا يترك فرصةً لانكماشه ودخوله في قوقعة العزلة. طبعًا من الصعب تجاوزُ الموقفِ كأنّ شيئًا لم يكن، لكنّ اليقينَ باللهِ العليِّ العظيم يُغني عن العالم؛ فتتحوّل نظرةُ المتضرِّر إلى منفعةٍ: أنَّ الله تعالى أطلعه على ما كان خافيًا،ليغيِّر مسارَ علاقةٍ قائمةٍ على الغِشّ، إلى حافزٍ لتحرير النفس من رابِطٍ قد أذاب صاحبُه حبالَه في ظروفٍ غامضة.

سرعان ما يستيقظ الضحيّة على حقيقة منافقٍ كان يغلفها التزييفُ والتسويف، ولم يكن يَعلم حقيقتَه إلّا اللهُ سبحانه وتعالى؛ فيجعل المنافقَ يكشفُ نفسَه بنفسه، فيزيل عاملَ الثقة الذي كان يُغَلِّفه، فتسقط هيبةُ مَن لا هيبةَ له.  

حينها تُقاسُ خسارةُ الضحيّةِ بمدى أهميّة ذلك الشخص في حياتِه، وبمدى تعلّقه به. فإن كان الإشباع الذاتيّ بالإيمان قد أسَّس في داخله قناعاتِ الاعتمادِ على النفس، وتفويضِ الأمر لله تعالى، كان في غِنى عمّا يُقلِق راحتَه؛ فيرى أنَّ الله جلت قدرته هو الغنيّ، وأنّ مجرّد انسحابٍ مبهم، أو استغناءٍ عنه لأسبابٍ غير مقنعة، ما هو إلّا رحمةٌ من ربّ العالمين. فمَن وعد فأخلَف، أو قطع اتصالَه وتواصُلَه دون سابقِ إنذار، وأدخلَ غيرَه في غُربةِ استغرابٍ منه، فتلك صفاتُ المنافقين 

روى الإمام البخاريّ ومسلمٌ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ»، وفي روايةٍ لمسلم زيادةٌ: «وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ»وفي الباب نفسه عن عبدِ الله بن عمرو رضي الله عنهما: «وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ»، أي يفجُرُ في المخاصمةِ والغيبة.
فلتُبنَ العلاقاتُ على الوضوحِ والشفافيّة التي ترفعُ قيمةَ الفردِ والجماعات، أمّا الوصولُ إلى ذروةِ المظاهرِ في نعيمٍ زائلٍ وحصانةٍ موهومة، فمآلُه عند ربٍّ قويٍّ متينٍ، عادلٍ بالحقِّ، و(العاقبةُ للمتقين).

اللَّهُمَّ أَصْلِحْ حَالَنَا أَجْمَعِينَ، وَرُدَّنَا إِلَيْكَ رَدًّا جَمِيلا.

بقلم/ عقّاد ميلوة  
المغرب الحبيب
  
10/12/2025

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

امرأة العزيز للشاعر حميد تلامتي

حين ودعنا الربوع للكاتب سعدالله بركات

أبيات في حب النبي للشاعر القيسي حسام