يوم شتوي للكاتبة د.نادية حسين
"في يومٍ شتويٍّ بارد"…
كان يومَ جمعةٍ قررتُ فيه زيارةَ قبرِ والدتي، رحمها الله.
خطوتُ بين شواهدِ الصمت، أحمل في قلبي بردَ الفقد، وأستند إلى الدعاء.
وأنا في وسط المقبرة، لمحتُ شيئًا غريبًا فوق أحد القبور…
اقتربتُ، فكانت الصدمة موجعة:
كلبٌ صغير، يرتجف من قسوة البرد، يحاول عبثًا أن يجد دفئًا فوق قبرٍ وحيد…
قبرٌ احتضنه حين ضاقت به الأرض، ومنحه ملاذًا حين خذله الأحياء.
سادني حزنٌ ثقيل، وعجزٌ أقسى من الصقيع.
نظرتُ حولي أبحث عن يدٍ رحيمة، فوقع بصري على بعض الشباب المتسوّلين.
قدّمتُ لأحدهم مالًا، وطلبتُ منه أن يعتني بذلك الكائن المسكين.
لكنّ الخيبة كانت أسرع من الرجاء…
حين عدتُ بعد قليل، وجدته في المكان ذاته،
يرتعش، يقاوم البرد، ويقاوم الوحدة،
وأنا… لا أملك سوى نظرةٍ مكسورة، وشعورٍ بالانهيار.
سرحتُ بخيالي إلى الوراء،
إلى زمنٍ كانت فيه والدتي — رحمها الله —
تفتح بيتها وقلبها لكل حيوانٍ مشرّد،
تؤمن أن الرحمة لا تُجزّأ، وأن الكائنات كلّها تستحق الحياة والحنان.
ذلك الزمن مضى…
وأصبحتُ اليوم زائرة، لا لبيت أمّي فقط،
بل لوطنٍ أيضًا.
وطنٍ لا يرى في الحيوان سوى عبء،
ولا يعترف له بإحساسٍ أو ألم.
وطنٍ تُعامَل فيه الدواب بقسوةٍ موجعة،
كأن الرحمة فيه ترف،
مع أن ديننا سبق العالم كلّه إلى الرفق بالحيوان.
ألم يقل الله تعالى في سورة الكهف:
﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ… وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾
آيةٌ خالدة، تؤكد تلك الصلة العميقة بين الإنسان والحيوان،
وتمنح الكلب مكانةً في مشهدٍ إيمانيٍّ خالد.
غادرتُ المكان،
وأنا أحمل حسرةً ثقيلة،
وإحساسًا بالذنب لأنني تركته خلفي…
بردًا، ووحيدًا، وأملُه معلقٌ بمرور إنسان.
وتذكّرتُ زيارتي لضريح الصحابي الجليل
أبي أيوب الأنصاري في إسطنبول.
هناك، بجوار المقابر،
بيوتٌ خشبية صغيرة مغطاة بالبلاستيك،
ملاجئ للقطط والكلاب،
طعام، ماء، ودفء…
رحمةٌ تمشي على الأرض.
في تركيا، الرفق بالحيوان ثقافةٌ يومية،
لا استثناءً ولا ادعاء.
فألف تحية لذلك الشعب،
الذي فهم أن إنسانية الإنسان تُقاس بقدرته على الرحمة.
وكم هو مؤسف…
أن نقلّدهم في أسواقهم ومنتجاتهم،
ولا نقلّدهم في احترامهم للحياة،
وفي حنوّهم على كائنٍ لا يملك سوى عينيه لطلب النجدة.
صورٌ التقطتها من إسطنبول،
لكنّ المشهد ما زال محفورًا في قلبي…
ذلك الكلب الصغير،
الذي لجأ إلى الموتى،
لأنه لم يجد بين الأحياء من يحتضنه ...😥😥
بقلم ✍️ ( د. نادية حسين)
تعليقات
إرسال تعليق