بين الساحتين للشاعر د.جاسم محمد شامار
(بين الساحتين )
بين الساحتين كان عمرًا من التناقضات وفصولا من التقلبات ،ساحة العشق والحياة وساحة الحرب والموت
الساحة التي كان عليَّ أن أقطعها عند عودتي للبيت أيام دراستي الثانوية بعد السمر مع الأصدقاء في ليالي الربيع المقمرة كانت تبدو شاسعة وظلال الأشجار طويلة أمشي ببطىء مستمتعًا بذلك المشهد الساحر الذي كان دائما يستهويني في مدينتي الغارقة في الهدوء بين أحضان بساتين النخيل
مع اطلالة القمر على سعفات النخيل في البساتين المجاورة للساحة
وعطر القداح لأشجار الليمون والبرتقال مع رائحة العشب المبلل الذي يغطي الساحة و يعبق المكان به .
كنت أنسى كل تلك المشاهد الساحرة في لحظة عشق يطغى سلطان تلك العينين اللتين كانتا تراقبانني بفضول ودهشة من نافذة البيت المطل على الساحة ،تلك العيون تداعبني وتأخذني لعالم الأحلام عند عودتي للبيت .
الساحة الأخرى كانت جرداء خلف التلة الباردة مكان نقطة حراستنا أيام خدمتي في الجيش حيث تعبق رائحة البارود وصوت القنابل وذلك البرج للعدو في التلة المقابلة يرصد كل حركة مِنَّا ليمطرنا بوابل من الرصاص،أقطع الساحة منخفض الرأس مسرعًا لأعود للمخبأ بعد انتهاء واجبي في الحراسة على التلة ،ليقترب صوت القصف ويهتز الملجأ ،كنت أعيش مع نفسي مشهد الساحة في مدينتي عاشقًا يناجي القمر على التلال المجاورة للساحة وليس محاربًا ،أدخلوه عنوة في أتون الحرب ليَقتلَ أو يٌقتَلْ ، أستعين بأحلامي القديمة تداعبني وتُهَدِؤُنِي لأغرق في نوم عميق على حافة ساحة الموت كأن جنية من أيام الصبا ترافقني تنشد لي ترانيم السلام والحياة في زمن الحرب والموت ٠
د٠جاسم محمد شامار العراق 🇮🇶
تعليقات
إرسال تعليق