الشيخوخة للأديبة د.فريدة نصر

ليست الشيخوخةُ دائمًا في عددِ السنين، ولا تُقاسُ بتجاعيدِ الوجهِ أو انحناءِ الظهر، بل قد تبدأُ في لحظةٍ صامتةٍ لا يلحظها أحد… لحظةٍ يتوقّف فيها القلب عن الدهشة، ويعتادُ العيونُ ما كان يومًا يسرقها من شدّة الجمال.
نحن لا نكبرُ حين تمضي الأعوام، بل حين تتراجعُ قدرتُنا على الانبهار؛ حين نصبحُ عابرين أمام التفاصيل التي كانت تُقيم فينا احتفالًا صغيرًا: شروقٌ كان يُشبه وعدًا جديدًا، ضحكةٌ كانت تُنيرُ العتمة، كلمةٌ دافئةٌ كانت كفيلةً بأن تُعيد ترتيب الفوضى في أرواحنا.
أسرعُ ما يشيخُ فينا… ليس الجسد، بل تلك الشرارةُ الخفيّة في القلب، التي كانت ترى العالم بعينٍ مُندهشة، وتمنحُ لكلّ شيءٍ معناه. حين تخفتُ تلك الشرارة، نصبحُ وكأننا نعيشُ بلا أن نلمس الحياة حقًا، نمرّ بها مرورًا باهتًا، كأننا فقدنا مفاتيح الفرح دون أن نشعر.
وما أقسى أن نصلَ إلى مرحلةٍ لا يُحرّك فينا الجمالُ ساكنًا، ولا يُوقظُ فينا الحُلمُ رغبةً، وكأنّ القلب قد استقال من مهمته الأولى: أن يشعر، أن يُحب، أن يندهش.
لكن… رغم ذلك، تبقى في أعماقنا بذرةٌ لا تموت، تنتظرُ لحظة صدقٍ، نظرةً مختلفة، أو لمسةَ نورٍ تُعيد لها الحياة. فالقلبُ الذي عرف الدهشة يومًا، لا ينسى طريقها، وإن طال به الغياب.
فلا تسمحوا لأيامكم أن تُطفئ تلك الشرارة، ولا تعتادوا الجمال حتى تفقدوه… تمسّكوا بدهشة قلوبكم، فبها فقط تبقون أحياءً بحق.

بقلمي رضا الرحمن غايتي ( فريده )

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

امرأة العزيز للشاعر حميد تلامتي

حين ودعنا الربوع للكاتب سعدالله بركات

أبيات في حب النبي للشاعر القيسي حسام