حتى اشعار آخر للأديب خالد السيد
( حتى إشعار أخر ؛ )
********************
تجارب
الحياة لا تتوقف خطاها
ولا تستوطن أرضا ولا تتوقف رحاها عن الدوران .
كلنا يخوض صنوفا من التجارب دون توقف .
ربما يكون هناك فترات تهدأ فيها العاصفة
لكنها عندما تعود تكون أكثر شدة وعنفا وفتكا .
لكل منا تجاربه ومعاركة التى لا تنتهى حتى تلفظ
خطانا أنفاسها على أرض الحياة .
ومن
التجارب التى تترك فى القلب أثرا باقيا أمد الدهر
هى تجارب القلب فى ضيعات الحب الشاسعة .
قد يخوض الكثير منا أو حتى بعضنا تجارب حب
قد تبدو لنا مسالمة لا تحمل فى طياتها أنياب تمزق
خيوط الروائع فينا ، ولا تخبئ فى ظلماتها طعنات
دامية ، ولا تلبس أقنعة زائفة تخفى وراءها مجهول
غير معلوم الملامح ، ولا حتى أنها تهدد بإحتلال
أرض ذواتنا ومقدرات ما تحمله ثنايانا من مشاعر
وأحاسيس طالما حرصنا على حمايتها من لفحات
الغدر الفتاك والخداع المتلون والمراوغات المعتمة .
لكن
وعلى غير ما نراه نحن .
يرانا آلناظرون إلينا أننا على غير ذلك .
قد نخوض تجارب حمقاء مهلكة لا تبقى لنا أثرا
ولا وصفا ولا حتى مكانا فى رحاب الماضى والذكرى
نذهب بمحض إرادتنا نحو حافة الهاوية و نحن لا ندري
نقتات من السم القاتل ظنا منا أنه عسل شهى طيب
الأثر . نلتحف برداء الموت ظنا منا أنه يمنحنا الحياة
وأنه طوق النجاة والفكاك من شراك الغرق . لكنه هو
الغرق بعينه والوهم فى أوج صورته وملامحه .
غالب
تجارب الحب هى تجارب هشة لا قوام لها ولا كيان .
تماما مثل بيون العنكبوت الواهنة التى يتلاعب بها
الهواء كيفما شاء دون صد أو دفاع أو مواجهة .
المأساة فى تجارب الحب البالية تمكن فى أن كثير
منا لا يعرف ما يريد وما يرغب وما يصبو إليه من
خوض تجارب لا قبل له بها . ذلك لمجرد أن دقات
الفلب علت اصواتها وشردت بعيدا مع عابرى السبيل .
وما بين تناقضات القلب ورغبات النفس الجامحة
تضيع الملامح وتتناثر بذور المشاعر والأحاسيس
على أرض الحب البور ، وما بين الأوهام القاتلة
والحقائق المريرة تلفظ المشاعر أنفاسها .
إن
أقسى وأشد مشاهد تجارب الحب مرارة
هى تلك التى نقف فيها فى مفترق الطرقات .
لا ندرى إلى أين نسير . لحظات تتجمد فيها الخطى
ويغيب عنا فيها نور الوعى والإدراك ، وتلفنا الحيرة
بخيوط من الضباب والغشاوات والعتامات والجمود .
هى تلك اللحظات التى تترنح فيها المشاعر على
أحبال الشتات . فلا هى إلتحفت بالثبات ولا هى
جثت على جانبى الطريق تنتظر العودة بأمان .
هى تلك اللحظات التى ندعى فيها الكبرياء ونحن
نغوص آلى حيث تقودنا أسياط الحب الدامية .
لحظات ندعى فينا ما ليس فينا . لكنها الأوهام .
لحظات . ما بين حرارة الرغبات وإنتفاضة عز النفس
نحيا فبها ، وما بين ثبات وميل تتأرجح خطانا .
لكن
ما يدرك نجاتنا ويلملم شتاتنا هو نجاة الرحيل .
إلى حيث نعيد ترتيب حساباتنا التى إختلطت فيها
الأرقام ما بين أرباح واهمة وخسارات ممكنة .
رحيل عن ديار الحب المتلون الذى يقبع فى ظلمات
المجهول والمخاوف القاسية والعثرات والطرقات
الوعرة والمتاهات الموحشة والظنون القاتلة .
رحيل نختلى فيه بذواتنا الهاربة منا . حيث ذهبنا
وتركناها تعود أدراجها من منتصف الطريق .
رحيل
ربما مؤقت ، وربما لا عودة منه .
وحتى تستقر أمواج القلوب، وتهدأ عواصف النفس
وتخمد ثورات الكبرياء والعز ، ويسكن ضجيج زحام
المشاعر والأحاسيس ، وتكف سيول الجمود عن
الجريان ، ويذوب جليد الغربة ، ويموت صراع
الحيرة ، ويحل الفكاك من قيود الظلام .
نعقد لأنفسنا هدنة .
هدنة ...
نغلق فيها أبواب القلب المفتوحة على مصراعيها
نسدل فبها ستائر السكينة والهدوء بعيدا عن صخب
الحب وتناقضات المشاعر والأحاسيس .
نلوذ إلى حيث نجد الأمان بعيدا عن الأعين
بعيدا عن اللصوص وقطاع الطرق .
وحتى
يتحقق لنا ذلك
نغلق طرقات القلب أمام حجافل الرغبات
نغلقها بأقفال من التأمل العميق .
حتى لا تهب علينا رياح الحب الهوجاء
فتهدم الجدران وتزيل المعالم وتدفن الأثر .....
******************************************
خالد السيد
تعليقات
إرسال تعليق