خارج حدود النفس للأديب خالد السيد
( خارج حدود النفس )
***********************
تمر
علينا اوقات
نحتاج فيها إلى الهجرة خارج حدود النفس .
إلى حيث البراح والهدوء وروعة التأمل .
بعيدا عن قيود حدود النفس ، وصخب المشاعر
وصراعات الفلب ما بين إنتصارات وإنكسارات .
اوقات
نتأمل فيها فضاء النفس من منظور مختلف .
نكشف فيها الغطاء عن انفسنا وتكتشف الحقائق
التى طالما دفعتنا إلى الهروب من الديار وتخطى
الحواجز والجدران وقطع المسافات الطويلة إلى
حيث كهوف الصمت وقيود البوح .
اوقات
نسعى فيها إلى الذهاب بعيدا إلى أقصى ما تدركه
خطانا . إلى أرض ليس لها حدود ولا حواجز
نطلق فيها العنان للصراخ المقيد باغلال ثقال .
ننقذ فيها ذواتنا من الموت البطئ والقتل العمد .
ليس
كلنا يسعى لذلك .
لكن بعضنا يسعى جاهدا أن يقتنص الفرص والمنح
المتاحة له كى يحقق ذلك . رغبة منه فى البقاء على
قيد الحياة بكيان له أثر ، وليس بكيان غاب عنه
الأثر . لا ريب أن الأمر تعتريه الإستثناءات .
فلا يسعى لذلك إلا من هم إستثناء وسط زحام
البشر .
عندما
ينطلق بعضنا إلى خارج حدود النفس .
يرى ويدرك حقائق لا يراها ولا يدركها غيره من
البشر . فالأمر يتعلق بالحرص على التغريد بعيدا
عن السرب ، والبحث عن فضاء للتحليق فيه غير
الفضاء المعتاد الملئ بالزحام والغيامات .
عندما
نحلق خارج حدود النفس .
نرى العجائب والروائع والإستثناءات التى تاهت
وسط الزحام ووراها ثرى الشتات والغفلة .
نرى بأعين غير الأعين ونشعر بقلوب غير القلوب
وكأننا نغوص فى حواس غير الحواس ، وجوارح
غير الجوارح . نشعر وكأننا لسنا نحن . بل ما كان
ينبغى أن نكون عليه نحن ، وكأنه عاد إلينا ما
سلبته منا الحياة ودفنته بعيدا حيث لا ندرك له
أثر ولا مكان حتى بموت فينا الأمل وتتمزق فينا
حبال السعى وتنطفأ فينا شموع الثبات .
لابد
لنا من الإنطلاق مهما كلف الأمر .
فإما ان نسوق خطانا إلى حيث النور
وإما أن تسوقنا خطانا إلى حيث الأرض البور .
قد
يرضى الكثير منا أن يعيش على أرض بور
لا حياة فيها ولا أنس ولا احتواء .
أرض حوت بذور الأوهام والهوان
لا خير فيها ولا حياة . فقط مجرد كيان .
لكن
يظل فينا من يبحث دوما عن أرضه ودياره
التى إحتلتها منه الحياة وسلبته حريته وأوثقت
خطاه بأذيالها ، وسجنت فيه الأمل ، وأطفات فيه
ضى النور ، وجردته من عبائق الروح ونبض القلب
هؤلاء
بطمحون دوما إلى البراح .
آلى تخطى الحواجز وتسلق الجدران والغوص فى
الأعماق والسير فى الظلام وقطع المسافات . مهما
كان حجم الخوف ، ومهما علت صيحات اليأس
ومهما إشتدت حرارة الإنتظار ، ومهما كثرت
قذائف الشتات والتيه .
هؤلاء
لا يبحثون عن بريق الحياة .
بل يبحثون عن أثارهم التى راحت وفارقت
كيانهم فى زحام الحياة .
فقط
أوقات
للتأمل خارج حدود النفس .
لكنها أوقات ... بحجم حياة .
********************************************
خالد السيد
تعليقات
إرسال تعليق