رمزية البراءة للكاتب خالد السيد
( رمزية البراءة )
******************
هناك
قلوب تماما مثل الصفحات البيضاء .
بعيدة عن مرمى غبار السفة والحماقة
تنوء بنفسها عن الانزلاق فى هوة الحقد والكراهية
لا تعرف رسما ولا وصفا للغدر و الخداع والإلتواء .
تخطو فى الحياة على سجيتها وما جبلت عليه من
نقاء الروح ، وشفافية السريرة ، وروعات الوصف
وجمال المحيا ، وبساطة الكيان والعنوان .
قد
يظن الكثير ممن حولهم أنهم فى غياب عن الحياة
فى غياب عن الوعى والوجود والأثر .
لكنهم فى الواقع فى غياب عن زحام الحياة الخانق
فى غياب عن مرمى الغبار والاتربة التى تسوقها
رياح البشر الهوجاء القاتمة المميتة .
هم فى معزل عن الإنسياق وراء الأوهام القاتلة
وتتبع خطى السراب وكيانات الملذات المزرية .
هم فى غنى عن الثراء الكاذب والأبهة البلهاء العارية
مثل هؤلاء لا يرغبون فيما يرغب فيه كثير من البشر
بل لهم من الرغبات والغايات ما يحلق خارج حدود
البشر . بل خارج حدود مألوف الحياة كلها .
لا تجذب أعينهم السطور بقدر ما يستهوبهم ما خفى
بين السطور وغاب عن أعين الناظرين .
لا يستوحشون الغربة والعزلة والوحدة . ما دام بقاء
حياة قلوبهم ، ومصدر راحتهم فيها .
هؤلاء
دوما فى رحلة بحث لا تتوقف خطاها ، ولا ينتهى
مداها ، ولا تزول أثارها ، ولا ينكسر مبتغاها .
تعلو البراءة جبين رسمهم ، وكأنهم ليسوا من عداد
البشر ، وكأنهم جاءوا من أرض بعيدة ليس فيها
سوى من هم إستثناء .
لا يغيبهم زحام ، ولا تكسر شوكتهم غربة
لا تثنيهم عن السعى قدما نحو الغايات . طعنات
ولا خذلان ولا صدمات ولا خداع ولا خيبات .
يبثون دوما رياحين من الروعات والطيبات ، وقطوف
من عبائق الأمل ، ومفردات من الإستثناءات النادرة
ويرسلون عبر أسير المسافات رسائل ملؤها الدفء
والإحتواء والجمال والنقاء والسكينة والأمان .
لا يسكنون القصور . بل القصور هى من تسكن فى
ثناياهم المليئة بصنوف من الكنوز بالغة الندرة .
ثيابهم نجست من خيوط النقاء دون سواه .
قد
يظن الكثير من أشباه البشر أن مثل هؤلاء مجرد
عابرى سبيل على ظهر الحياة ، وما يدرون أنهم هم
من يمنحون الحياة حياة .
الحياة بدونهم مجرد قبور متناثرة على الطرقات .
الحياة دونهم مجرد صحراء قاحلة غزاها الجمود
وغيب ملامحها الشتات والتيه والشرود .
هؤلاء فى الحياة رموز ودلالات عميقة المغزى .
ليسوا فقط إستثناء . بل جاوزوا ذلك بكثير
هم عنوان البراءة المطلقة النقية الندية .
تماما مثل براءة الأطفال البهية . ترافق ظلهم مهما
مرت السنوات ، ومهما تقدم بهم العمر ، وكان البراءة
أبت إلا أن تصاحب ثناياهم وتستظل بروعة أرواحهم
ونقاء قلوبهم ، وجميل سمتهم ، ورونق عنوانهم .
إن
رمزية البراءة ...
ليست مجرد عنوان يطلق له العنان
يسرقه من يشاء وقتما شاء كيفما شاء .
رمزية البراءة ...
ليست منحة أو وسام شرف أو شهادة تقدير
بل هى كيان لا يدرك. معناه كثير من البشر .
رمزية البراءة ...
تجرى فى الروح كجريان الدم فى العروق .
لا تباع ولا تشترى ولا يحتلها غاصب أو غازى .
رمزية البراءة ...
سكن وديار ومأوى وعنوان وكيان
عند زوال السكن ، وتهدم الديار ، وضياع المأوى
وذهاب العنوان ، وحلول السراب .
رمزية البراءة ...
معنى بعيد المدى لا يستوعبه الكثير منا
فهى ليست كمثل بقية المفردات والدلالات .
رمزية البراءة ...
حياة ... عندما تموت الحياة
**************************************
خالد السيد
تعليقات
إرسال تعليق